محمد بن علي الشوكاني
5246
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
قلت : لا يصح يعني ما يقتضي تحريم العود ، وسائر الملاهي ، وجملته ما استدل به القائلون بتحريم آلات الملاهي ما أخرجه أبو داود ( 1 ) أن ابن عمر سمع مزمارًا فوضع أصبعه في أذنيه ، ونأى عن الطريق ، وقال : يا نافع هل تسمع شيئًا قال : لا ، فوضع أصبعه ، وقال : كنت مع النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فسمع مثل هذا . والجواب : أولاً : بأن الحديث ضعيف ( 2 ) ، قال اللؤلؤي ، قال أبو داود : هذا الحديث منكر . وقال أبو محمد بن حزم : خرجه أبو داود وأنكره . وثانيًا : أنه لو صح فهو حجة الإباحة لأنه لو كان حرامًا لما أباحه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابن عمر ، ولا ابن عمر لنافع ولنهي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن ذلك وأمر بالسكوت عنه ، أو بكسر الآلة ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فإن قيل : فلم سد سمعه عنه ؟ قيل : إما لكونه في ذلك الوقت في حال مع ربه لا يجب أن يشتغل عنه فيه بغيره ، كما قال لي وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل أو لأنه تجنبه كما تجنب كثيرًا من المباحات ، كالأكل متكئًا ، وأن يبيت في بيته دينار أو درهم ، وأن تعلق الستر على سهوة في البيت ، وأمثال ذلك ( 3 ) .
--> ( 1 ) في " السنن " رقم ( 4924 ) وأحمد ( 2 / 8 ، 38 ) وابن سعد ( 4 / 163 ) والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 10 / 222 ) . وابن حبان في صحيحه رقم ( 2113 - موارد ) . ( 2 ) بل هو حديث صحيح . ( 3 ) قال ابن تيمية مفرقًا بين السماع والاستماع تعليقًا على حديث عائشة : " وليس في حديث الجاريتين أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استمع إلى ذلك ، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع ، لا بمجرد السماع كما في الرؤية ، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار ، كذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم ، فأما إذا شم ما لا يقصده فإنه لا إثم عليه وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، إنما يتعلق الأمر والنهي في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل ، وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي . وهذا مما وجه به حديث ابن عمر : أنه لم يكن يستمع ، إنما كان يسمع وهذا لا إثم فيه ، وإنما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدل طلبًا للأكمل والأفضل ، كمن اجتاز بطريقة فسمع قومًا يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه كيلا - يسمعه فهذا أحسن ، ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد " . قال في " عون المعبود " ( 4 / 435 ) وتقرير الراعي لا يدل على إباحته لأنها قضية عين ، فلعله سمعه بلا رؤية ، أو بعيدًا منه على رأس جبل ، أو مكان لا يمكن الوصول إليه ، أو لعل الراعي لم يكن مكلفًا فلم يتعين الإنكار عليه . تقدم أن ( المعازف ) هي آلات اللهم كلها لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك . أخرج حديث عمر النسائي في " السنن " رقم ( 2 / 178 ) وأبو نعيم في " الحلية " ( 5 / 270 ) بسند صحيح . قال الأوزاعي رحمه الله تعالى : كتب عمر بن عبد العزيز إلى ( عمر بن الوليد ) كتابًا فيه : " . . . وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام ، ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك حمة سوء " . والخلاصة : أن العلماء والفقهاء . وفيهم الأئمة الأربعة ، متفقون على تحريم آلات الطرب إتباعًا للأحاديث النبوية ، وآثار السلف وإن صح عن بعضهم خلافه فهو محجوج بما ذكر ، والله عز وجل يقول : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا } . الاستقامة " ( 1 / 281 - 282 ) ، " منهاج السنة " لابن تيمية ( 3 / 439 ) ، " تلبيس إبليس " ( ص 244 ) .